
❗️خاص صدى الولاية بقلم/فتحي الذاري❗️
عندما تقفُ الأقلامُ لتؤرّخَ لرجالٍ غيّروا وجهَ المنطقة، يبرزُ اسمُ “حسن نصر الله ليس كزعيمٍ سياسيٍ أو قائدٍ عسكريٍ فحسب، بل كظاهرةٍ جيوسياسية وروحية متكاملة، استطاعت على مدار ثلاثة عقود ونيّف أن تعيدَ صياغةَ موازينِ القوى في الشرق الأوسط. إنَّ الحديثَ عن السيد نصر الله هو حديثٌ عن “عُمرٍ” لم يُعش للذات، بل أُفنيَ في سبيلِ “مشروعٍ”؛ مشروعُ استعادةِ الكرامةِ العربيةِ والإسلاميةِ من براثنِ المشروعِ الصهيوني-الأمريكي.
في هذا المقال المطوّل، نُشرحُ مضامينَ هذا العُمر الاستثنائي، ونحللُ استراتيجيةَ الجهادِ التي انتهجها، وكيفَ استطاعَ أن يحوّلَ المقاومة من مجردِ ردِّ فعلٍ عاطفيٍ إلى “مدرسةٍ عسكريةٍ وفكريةٍ” تُدرّس في كبرى الأكاديميات العالمية.
مضامينُ العُمر.. تشكّلُ الإنسان الرسالي
لم يكن عُمرُ حسن نصر الله (1960 - 2024) عُمراً عادياً. يمكن تقسيمُ مضامينِ هذا العُمر إلى ثلاثِ مراحلَ أساسية، كلُّ واحدةٍ منها صبّت في تكوينِ القائدِ الذي عرفناه:
مرحلةُ التكوينِ والبحثِ عن الهوية (1960 - 1982): في أحياءِ الفقراءِ والمستضعفين، نضجَ وعيُ الفتى حسن. لم تكن القراءةُ بالنسبةِ له ترفاً، بل كانت سلاحاً. أفنى هذا الجزءَ من عُمره في “التحصيلِ الصادق”، متنقلاً بين حوزاتِ النجفِ وقم، مستلهماً من فكرِ الإمامِ الصدرِ والإمامِ الخمينيِ روحَ الثورةِ على الظلم. هذا المضمونُ الثقافيُ العميقُ هو ما منحَ خطاباته لاحقاً تلك “الجزالة” وذلك “العمق الفلسفي”.
مرحلةُ التأسيسِ والميدان (1982 - 1992): معَ الاجتياحِ الإسرائيليِ للبنان، لم يكتفِ نصر الله بالجانبِ النظري. أفنى سنواتِ شبابه الأولى في “التأسيسِ الصامت”. كان يتحركُ كجنديٍ مجهولٍ في صفوفِ المقاومةِ الإسلاميةِ الناشئة. هذا المضمونُ الميدانيُ جعلهُ “قائداً عارفاً” بتفاصيلِ الجغرافيا، وبأنينِ المقاتلين، وبأسرارِ السلاح.
مرحلةُ القيادةِ والتحولاتِ الكبرى (1992 - 2024): وهي المرحلةُ الأطولُ والأقسى، حيثُ تحولَ عُمرهُ بالكاملِ إلى “ملكٍ عامٍ” للأمة. منذُ لحظةِ استشهادِ السيد عباس الموسوي، أدركَ نصر الله أنَّ حياته الشخصيةَ قد انتهت، وأنَّ عُمراً جديداً قد بدأ، عنوانه “الفناء في سبيلِ الله والمقاومة”.
استراتيجيةُ الجهاد.. “القوةُ العاقلة”
تميّزَ جهادُ السيد حسن نصر الله بأنه لم يكن “جهاداً انفعالياً”، بل كان “جهاداً استراتيجياً” يعتمدُ على أركانٍ علميةٍ وعسكريةٍ ثابتة:
كيفَ أفنى عُمره؟.. سيرةُ الزهدِ والعطاء
إنَّ السؤالَ الجوهريَ في حياةِ هذا الرجل هو: كيفَ قضى أيامَهُ خلفَ الستار؟
فناءُ الأبوةِ في سبيلِ المبدأ: استشهادُ ابنهِ “هادي” كانَ درساً عملياً في كيفيةِ إفناءِ العاطفةِ الخاصةِ في سبيلِ الهدفِ العام. لم يستخدمْ نصر الله استشهادَ ابنهِ للدعاية، بل جعلَهُ “جوازَ عبورٍ” لقلوبِ كلِّ عوائلِ الشهداء. لقد أثبتَ أنَّ القائدَ هو أولُ من يضحي وأخرُ من يستريح.
الحياةُ تحتَ التهديدِ الدائم أفنى نصر الله أكثرَ من 30 عاماً من عُمره محروماً من “الحياةِ الطبيعية”. لم يمشِ في شارع، ولم يجلسْ في مقهى، ولم يحضرْ مناسباتٍ اجتماعيةً عامة. عاشَ في “غرفِ العمليات” وتحتَ الأرض، لا خوفاً من الموت، بل حرصاً على استمرارِ المشروع. هذا النوعُ من “الاعتقالِ الاختياري” هو قمةُ التضحيةِ بالذات.
بناءُ المؤسساتِ الاجتماعية: لم يُفنِ عُمرهُ في السلاحِ فقط، بل في بناءِ “مجتمعِ المقاومة”. مدارسُ المهدي، مستشفياتُ الرسولِ الأعظم، مؤسساتُ القرضِ الحسن، وجهادُ البناء. لقد أرادَ أن يكونَ الإنسانُ المقاومُ إنساناً متعلماً، معافىً، ومكتفياً ذاتياً.
طوفانُ الأقصى.. مسكُ الختامِ وعظمةُ التضحية
في عامِهِ الأخير، جسّدَ السيد حسن نصر الله ذروةَ “الوفاء الاستراتيجي”. منذُ 8 أكتوبر 2023، اتخذَ قراراً تاريخياً بفتحِ “جبهةِ إسنادٍ” لغزة. كانَ يدركُ أنَّ هذا القرارَ قد يكلفهُ حياته، وقد يكلفُ الحزبَ غاليا، لكنهُ قدّمَ “المصلحةَ العليا للأمة” على حسابِ أيّ اعتبارٍ محليٍ أو شخصي.
أفنى عامَهُ الأخيرَ في إدارةِ معركةٍ استنزافيةٍ معقدة، واضعاً “إسرائيل” في مأزقٍ وجوديٍ لم تعهدهُ منذُ عام 1948. وعندما جاءت لحظةُ الشهادةِ في “الضاحيةِ الأبية”، لم تكن موتاً، بل كانت “انصهاراً كلياً” في الأرضِ التي أحبّها والقضيةِ التي أفنى عُمرهُ لأجلها.
القراءةُ الموضوعيةُ للإرث (ما بعد نصر الله)
بموضوعيةٍ شاملة، يمكن القولُ إنَّ السيد نصر الله لم يترك خلفهُ فراغاً، بل تركَ “بنيةً صلبة”. لقد أفنى عُمرهُ في “مأسسةِ المقاومة”. بحيثُ لا ترتبطُ بوجودِ شخص، مهما كانَ عظيماً.
والوفاءُ للسيد
إنَّ المقالَ الذي يكتبهُ التاريخُ عن حسن نصر الله لن ينتهيَ بكلمة “رحمه الله”، بل سيبدأُ بعبارة “بدأَ العصرُ الذي رسمهُ حسن نصر الله”. لقد أفنى عُمرهُ لكي لا يبقى طفلٌ عربيٌ مطأطأ الرأس، ولكي تظلَّ “القدس” حلمًا قابلاً للتحقق.
سيروي التاريخُ أنَّ رجلاً من أطرافِ “جبل عامل”، وبإمكانياتٍ بدأت من الصفر، استطاعَ أن يكسرَ جبروتَ القوةِ العظمى في العالم. أفنى عُمرهُ في السهر لكي تنامَ الأمةُ بكرامة، وجاعَ لكي تشبعَ الشعوبُ عزاً.
حسن نصر الله.. لستَ مجردَ قائدٍ مضى، بل أنتَ “المستقبل” الذي ننتظره. أنتَ الاستراتيجيةُ التي لا تُهزم، والعُمرُ الذي وإن فنيَ جسداً، سيبقى يزهرُ في كلِّ بندقيةٍ تتجهُ نحو فلسطين، وفي كلِّ صرخةِ حقٍ يطلقها مستضعفٌ في هذا العالم.
سلامٌ عليكَ يومَ ولدت، ويومَ أفنيتَ عُمركَ في محرابِ المقاومة، ويومَ ارتقيتَ شهيداً عظيماً على طريقِ القدس، ويومَ تُبعثُ معَ الصديقينَ والشهداءِ وحسُنَ أولئك رفيقاً.
اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا تمبحمد الله.